محمد بن علي الشوكاني
114
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
على كل من له اشتغال بالعلم فلم يوافقه أحد على ذلك فعاد يعرضه على المقصّرين والعوامّ ويوهمهم بأوهام لا حقيقة لها فكادت تثور فتنة وقى اللّه شرّها . ثم طلبت منه إرجاع كتابي فما ساعد كل هذا وله من الفهم والعرفان نصيب تامّ وهو لا يخفى عليه خطأ نفسه وبطلان ما زعمه ولم يرع حقّ التعليم ، وبعد ذلك ترك الاشتغال بالعلم ولم يبق عليه من رونقه شيء . ورام أن يعود للقراءة عليّ فما ساعدته وأرجع الكتاب المشار إليه بعد سنين ومدحني بأبيات وأظهر الندم على ما سلف منه عفا اللّه عنه [ 38 ] . ومن جملة ما كتبه إليّ هذه القصيدة وفيها إشارة إلى ما قدّمته : يا قاضيا لفظ ماض إذ تناوله * ذهابه كلّ منقوص من الكلم ولم يزل كلّ ممدود يمدّ إلى * ما نال عينيه من فخر ومن كرم وكلّ ما نال مقصور عليه فيا * ذا المدّ أقصر ولا تطمع ولا تحم فالاسم مرجع ما يحويه من شرف * إلى مسمّاه من نعت ومن علم قاض ببهجته الأيام مشرقة * كالشمس لكنّ نور الشمس لم يدم فالحمد للّه دنيانا ببهجته * إشراقها غير مسلوخ عن الظّلم قاض إذا جئته يوما لقيت به * كلّ الأفاضل من عرب ومن عجم يخشى الخصوم ارتعادا من مهابته * حتى كأنّ بهم ضربا من اللّمم لأن ما أضمروه في فراسته * من حسن إيمانه نار على علم كم من ألدّ بلا ما زال ملتزما * من خوفه عادلا عنها إلى نعم فالمبتغون لغير الحقّ في نقم * منه وكلّ محقّ منه في نعم صحبته زمن التدريس مقتطفا * من روض أملاه نور الحكم والحكم فكان برّا رؤوفا بي ومغتفرا * لزلّتي لم يعاتبني ولم يلم أراه إن طال قولي في بشاعته * كأنه عن كلامي الغثّ في صمم وغبت عنه زمانا واتصلت به * في رتبة هو فيها صاحب العلم قاضي قضاة أمير المؤمنين على * يمينه قاعدا في الصدر لم يقم فقام تعظيمه في صدر كلّ فتى * مسلّم للأكفّ الطّهر مستلم